الرسالة | ركــــن الـمـقـالات >> صفحة الشيخ الداعية د . سعد البريك >> فضل العشر والعمل الصالح بعدها
 
 

عرض المقالة :فضل العشر والعمل الصالح بعدها

 

   

ركــــن الـمـقـالات >> صفحة الشيخ الداعية د . سعد البريك

اسم المقالة : فضل العشر والعمل الصالح بعدها
كاتب المقالة: الشيخ د. سعد البريك
تاريخ الاضافة: 18/11/2009   الزوار: 83
فضل العشر والعمل الصالح بعدها

بسم الله الرحمن الرحيم

اقتضت حكمة الله تعالى أنه يخلق ما يشاء ويختار ما يشاء ويفضل من خلقه من يشاء على من يشاء {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }.  

خلق السماوات واختار منها السابعة، وخلق الجنات واختار منها الفردوس، وخلق الملائكة واختار منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، وخلق البشر واختار منهم المؤمنين، واختار من المؤمنين الأنبياء، واختار من الأنبياء الرسل، واختار من الرسل أولي العزم، واختار من أولي العزم الخليلين، واختار من الخليلين محمدا e ، وخلق الأمم واختار منه هذه الأمة واصطفاها  وخلق الأرض واختار منها مكة، وخلق الزمان واختار من أشهره شهر رمضان، ومن أوقاته  يوم الجمعة، ومن لياليه ليلة القدر، ومن ساعاته ساعة الجمعة، ومن أيامه عشر ذي الحجة.

أخرج الترمذي عن النبي صلى الله عليه و سلم   أنه قال :" ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله، فقال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء".

فهي أفضل أيام الدنيا على الإطلاق، دقائقها وساعاتها وأيامها وأسبوعها، وهي أحب الأيام إلى الله تعالى، والعمل الصالح فيها أحب إلى الله تعالى من غيره ، فهي موسم الربح وطريق النجاة، وميدان السبق إلى الخيرات .العمل فيها أفضل من الجهاد بالنفس، وأفضل من الجهاد بالمال، وأفضل من الجهاد بهما والعودة بهما أو بأحدهما، ولا يفضل العمل فيها شيء إلا من خرج بنفسه وماله ولم يرجع لا بالنفس ولا بالمال.

من فضائل هذه العشر : أن الله تعالى أقسم بها فقال { والفجر * وليال عشر} قال ابن كثير: المراد بها عشر ذي الحجة، وهو قول غير واحد من أهل العلم منهم ابن عباس ومجاهد وابن الزبير.

والله تعالى لا يقسم إلا بعظيم ، فلا يقسم إلا بأعظم المخلوقات، كالسماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والرياح، ولا يقسم إلا بأعظم الأزمان، كالفجر والعصر والضحى والليل والنهار والعشر، ولا يقسم إلا بأعظم الأمكنة، كالقسم بمكة، وله أن يقسم من خلقه بما يشاء، ولا يجوز لخلقه أن يقسموا إلا به، فالقسم بها يدل على عظمتها ورفعة مكانتها وتعظيم الله لها.

ومن فضائلها: أن الله تعالى قرنها بأفضل الأوقات، والقرين بالمقارن يقتدي، فقد قرنها بالفجر وبالشفع والوتر وبالليل. أما اقترانها بالفجر فلأنه الذي بحلوله تعود الحياة إلى الأبدان بعد الموت، وتعود الأنوار بعد الظلمة، والحركة بعد السكون، والقوة بعد الضعف، وتجتمع فيه الملائكة، وهو أقرب الأوقات إلى النزول الإلهي في الثلث الأخير من الليل، وبه يُعرف أهل الإيمان من أهل النفاق. وقرنها بالشفع والوتر لأنهما العددان المكوِّنان للمخلوقات، فما من مخلوق إلا وهو شفع أو وتر، وحتى العشر فيها شفع وهو النحر، وفيها وتر وهو عرفة.

وقرنها بالليل لفضله، فقد قُدم على النهار، وذكر في القرآن أكثر من النهار، إذ ذكر اثنتين وسبعين مرة، والنهار سبعا وخمسين مرة، وهو أفضل وقت لنفل الصلاة، وهو أقرب إلى الإخلاص لأنه زمن خلوة وانفراد، وهو أقرب إلى مراقبة الرب تعالى إذ لا يراه ولا يسمعه ولا يعلم بحاله إلا الله، وهو أقرب إلى إجابة الدعاء وإلى إعطاء السؤال ومغفرة الذنوب إذ يقول الرب في آخره : " هل من داعٍ فأجيبه، وهل من سائل فأعطيه، وهل من مستغفر فأغفر له". مُيِّز به أهل الجنة في قوله تعالى { كَانُواْ قَلِيلاً مّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} ، وفي قوله { تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} ، وميِّز به عباد الرحمن في قوله عز وجل { وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً * وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وَقِيَـٰماً} . قال بعض السلف: ( لولا الليل ما أحببت العيش أبدا) ، وقال آخر: ( لم يبق من لـذة الـدنيا إلا قيام اللـيل وصلاة الجماعة وصحبة الصالحين ) .

ومن فضائل هذه العشر : أن الله تعالى أكمل فيها الدين { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }؛  وبكمال الدين يكمل أهله، ويكمل عملهم، ويكمل أجرهم . قال حبر من أحبار اليهود لعمر رضي الله عنه : آية في كتابكم، لو نزلت علينا معشر اليهود اتخذنا ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيداً، قال الفاروق رضي الله عنه : وأي آية هذه ؟. قال اليهودي { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً} . قال عمر رضي الله عنه : ( إني أعلم متى نزلت، وأين نزلت. نزلت يوم عرفة في يوم جمعة).

وكمال الدين يدل على كمال الأمة وخيريتها.

ومن فضائلها: أن الله أتم فيها النعمة { وأتممت عليكم نعمتي } . فتنعم الأرواح بشتى أنواع الطاعات القولية والفعلية والتعاملية، ومن تمام النعمة أن الله فتح قلوب العباد للإسلام، فدخل الناس في دين الله أفواجاً. ومن تمام النعمة أن الله أظهر الإسلام على جميع الأديان .

ومن فضائلها: أن العبادات تجتمع فيها ولا تجتمع في غيرها، فهي أيام الكمال، ففيها الصلوات كما في غيرها، وفيها الصدقة لمن حال عليه الحول فيها، وفيها الصوم لمن أراد التطوع، أو لم يجد الهدي، وفيها الحج إلى البيت الحرام ولا يكون في غيرها، وفيها الذكر والتلبية والدعاء الذي تدل على التوحيد، واجتماع العبادات فيها شرف لها لا يضاهيها فيه غيرها ولا يساويها سواها.

قال ابن حجر رحمه الله في بيان سبب تفضيل هذه العشر : لأنها مكان اجتماع أمهات العبادة . ففيها: الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يأتي ذلك في غيرها. أ . هـ . ( الفتح 2/460) .

 ومن فضائلها: أن فيها يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، وهو يوم الفضل وكثرة الأجر وغفران الذنب، فهو يوم مجيد، يجأر أهله بالتوحيد. قال صلى الله عليه و سلم : أفضل ما قلت أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله".  

ما رئي أصغر ولا أحقر منه في مثل يوم عرفة، لكثرة مغفرة الله في هذا اليوم ، وهو يوم الحج الأعظم، قال صلى الله عليه و سلم   : "الحج عرفة ".

ومن فضائلها: أن فيها يوم النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو أفضل الأيام كما في الحديث: " أفضل الأيام يوم النحر". وفيه معظم أعمال النسك من رمي الجمرة وحلق الرأس وذبح الهدي والطواف والسعي وصلاة العيد وذبح الأضحية واجتماع المسلمين في صلاة العيد.

ويشرع فيها من الأعمال الصالحة ما يجعل المسلم يتقلب في ألوان العبادات . ففيها:

الذكر. قال تعالى { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} قال ابن عباس رضي الله عنهما : أيام معلومات هي أيام العشر ، رواه البخاري تعليقا، ووصله وصحح إسناده ابن حجر .

وروى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم    قال:" ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد". صححه بعض أهل العلم . وكان أبو هريرة وابن عمر t  إذا دخلت عشر ذي الحجة يخرجان إلى السوق يكبران فيكبر الناس بتكبيرهما . ويشرع للمسلم أن يُكثر مع التكبير من التسبيح والتهليل والتحميد وقراءة القرآن فإنه أفضل الذكر، وفيه الهدى والرحمة والبركة والعظمة والتأثير والشفاء .

الذكر هو أحب الكلام إلى الله تعالى، وهو سبب النجاة في الدنيا والآخرة، وهو سبب الفلاح، وحفظ لصاحبه من الكفر ومن الشيطان ومن النار، به يذكر العبد عند الله، ويصلي الله وملائكته على الذاكر، وهو أقوى سلاح، وهو خير الأعمال وأزكاها وأرفعها في الدرجات، وخير من النفقة، به يضاعف الله الأجر، ويغفر الوزر، ويثقل الميزان، ومجالسه هي مجالس الملائكة ومجالس الرسل ومجالس المغفرة والجنة والإيمان والسعادة والرحمة والسكينة، وفضائله كثيرة، قرنه الله بالصلاة فقال { فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} ، وقرنه بالجمعة فقال { فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ}، وقرنه بالصوم فقال { وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} ، وقرنه بالحج فقال { فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}  وقرنه بالجهاد فقال: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ}  .

ويستحب الإكثار من نوافل الصلوات بعد الفرائض، كالرواتب التي قبل الفرائض وبعدها، وهي اثنتا عشرة ركعة، أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر. ويواظب على النوافل المقيدة، مثل أربع قبل الظهر، وأربع بعدها، وأربع قبل العصر، وركعتان قبل المغرب، وصلاة الليل، وهي إحدى عشرة ركعة كما في السنة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم   ، وكان يواظب عليها ويقضيها وقت الضحى لو نام عنها، وصلاة الضحى ركعتان أو أكثر، فالمحافظة على النوافل سبب من أسباب محبة الله، ومن نال محبة الله حفظه وأجاب دعاءه، وأعاذه ورفع مقامه، لأنها تكمل النقص وتجبر الكسر وتسد الخلل.

ويستحب الإكثار من الصدقة في هذه العشر، إذ الصدقة فيها أفضل من الصدقة في رمضان، وما أكثر حاجات الناس في العشر من النفقة والاستعداد للحج وللعيد وطلب الأضحية ونحوها، وبالصدقة ينال الإنسان البر ويضاعف له الأجر ويظله الله في ظله يوم القيامة، ويفتح بها أبواب الخير ويغلق بها أبواب الشر، ويفتح فيها باب من أبواب الجنة، ويحبه الله ويحبه الخلق، ويزكي ماله ونفسه، ويغفر ذنبـه، ويتحرر من عبـودية الـدرهم والديـنار، ويحفـظه الله في نـفسـه ومـاله وولده ودنياه وآخرته.

ويستحب الإكثار من الصيام في أيام العشر لأن الصيام من جملة العمل الصالح ولصوم يوم عرفة مزية خاصة . روى مسلم عن الترمذي عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم   : " صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي قبله".  

كان للسلف في عرفة أحوال ووقفات سجلها التاريخ بمداد من ذهب :

وقف مطرف بن عبد الله وبكر المزني بعرفة فقال أحدهما: اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي. وقال الآخر: ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيهم.

ووقف أحد الصالحين بعرفة فمنعه الحياء من ربه أن يدعوه فقيل له: لم لا تدعو؟ فقال: أجد وحشة، فقيل له: هذا يوم العفو عن الذنوب، فبسط يديه ووقع ميتاً.

وروي عن الفضيل بن عياض أنه نظر إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة فقال أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقاً. يعني سدس درهم ، أكان يردهم؟ قالوا: لا، قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق.

وقال ابن المبارك جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تذرفان فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالاً؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر له.

وختام الأيام العشر، يوم النحر ، يوم الثج والعج، يوم الفرح بطاعة الله تعالى ، يوم عيد الأضحى، وهو يوم عظيم اعتبره بعض أهل العلم  أفضل أيام السنة ، وأنه أفضل حتى من يوم عرفة، يقول ابن القيم رحمه الله : ( خير الأيام عند الله يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر ...) وبعض العلماء قالوا إن يوم عرفة أفضل، لأن صيامه يكفر سنتين،   وسواء كان هو أفضل أم يوم عرفة، فحري بالمسلم أن يحرص على ما يقربه إلى الله عز وجل في ذلك اليوم.

ليحرص المسلم على شهود صلاة العيد مع المسلمين وليحذر من تثبيط الشيطان ، فيفضل النوم أو اللهو واللعب على أداء هذه الشعيرة العظيمة. فقد رجح بعض أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية بأن صلاة العيد واجبة، واستدلوا بقوله تعالى { فَصَلّ لِرَبّكَ وَٱنْحَرْ} ولا تسقط صلاة العيد عن أحد إلا بعذر شرعي، حتى النساء، عليهن أن يصلين العيد، ويشهدن صلاة العيد مع المسلمين، بل حتى الحيض والعواتق، إلا أن الحيض يعتزلن المصلى.

ويسن  الذهاب إلى المصلى من طريق والعودة إلى بيته من طريق آخر.

ويسن التجمل بأبهى زينة وأفضل حلة، ويجب الحذر من اتخاذ الزينة المحرمة كإسبال الثياب وحلق اللحية ، فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم    أمر بإعفائها وعدم أخذ شيء منها.

ومن السنة ألا يـأكل المسلم شيئاً قبل الصلاة حتى يرجع بعد الصلاة والخطبة، فيذبح الأضحية إن كان سيضحي ويأكل منها .

والأضحية مشروعة باتفاق المسلمين، فلا خلاف بينهم في مشروعيتها وهي سنة مؤكدة، فعلها النبي صلى الله عليه و سلم   ، فقد ضحى بنفسه، وحث أمته على التضحية، وهي مطلوبة في وقتها من الحي عن نفسه وأهل بيته، وله أن يشرك في ثوابها من شاء من الأحياء والأموات.

ويجب اجتناب الأضحية العوراء والعرجاء والمريضة والهزيلة والعضباء والهتماء . والمستحب اختيار أفضلها وأكرمها وأسمنها وأغلاها ثمناً وقم بذبحها بنفسك، وإذا وكلت أحداً غيرك فلا بأس بذلك، وارفق بالأضحية عند ذبحها، فلا تُحِدَّ السكين أمامها، ومكِّنها من الأكل والشرب قبل ذلك، ولا تذبح واحدة بحضرة الأخرى، ويجب عند ذبحها قطع المريء والحلقوم وأحد العرقين اللذين في العنق أو كليهما.ومن أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يذبح أضحيته يوم العيد .

والسنة : تقسيمها ثلاثاً، ثلث يؤكل، وآخر يهدى، وآخر يتصدق به على الفقراء، ووقت الذبح بعد صلاة العيد إلى آخر يوم الثالث عشر من ذي الحجة  .

ولا تجوز الأضحية إلا من بهيمة الأنعام: الإبل أو البقر أو الغنم، أما الإبل فالواحدة عن سبعة، وكذلك البقر، الواحدة عن سبعة، أما الغنم فالشاة عن مضح واحد، ويضحي الرجل بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، يقول أبو أيوب رضي الله عنه : ( إن الرجل كان يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته في عهد النبي صلى الله عليه و سلم   ).

فالشاة الواحدة كافية عن أهل البيت الواحد، وإن كثر عددهم، وإن تفاوتت درجة قرابتهم.

يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عن الأضحية:(الأصل في الأضحية أنها مشروعة في حق الأحياء كما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم   وأصحابه يضحون عن أنفسهم وأهليهم، وأما ما يظنه بعض العامة من اختصاص الأضحية بالأموات فلا أصل له، والأضحية عن الأموات على ثلاثة أقسام :

الأول: أن يضحي عنهم تبعاً للأحياء، مثل أن يضحي الرجل عنه وعن أهل بيته، وينوي بهم الأحياء والأموات، وأصل هذا تضحية النبي صلى الله عليه و سلم   عنه وعن أهل بيته وفيهم من قد مات من قبل.

الثاني: أن يضحي عن الأموات بمقتضى وصاياهم، تنفيذاً لها، وأصل هذا قوله تعالى { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدّلُونَهُ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } . ا

لثالث: أن يضحى عن الأموات تبرعاً مستقلين عن الأحياء، فهذه جائزة، وقد نص فقهاء الحنابلة على أن ثوابها يصل إلى الميت، وينتفع بها قياساً على الصدقة عنه . ويضيف : لكن لا نرى أن تخصيص الميت بالأضحية من السنة، لأن النبي صلى الله عليه و سلم   لم يضحِّ عن عمه حمزة، وهو من أعز أقاربه عنده، ولا عن أولاده الذين ماتوا في حياته، وهن ثلاث بنات متزوجات وثلاثة أبناء صغار، ولا عن زوجته خديجة، وهي من أحب نسائه، ولم يرد عن أصحابه في عهده أن أحداً منهم ضحى عن أحد من أمواته.ونرى أيضاً من الخطأ ما يفعله بعض الناس، يضحون عن الميت أول سنة يموت أضحية يسمونها أضحية الحفرة، ويعتقدون أنه لا يجوز أن يشرك معه في ثوابها أحد، أو يضحون عن أمواتهم تبرعاً أو بمقتضى وصاياهم، ولا يضحون عن أنفسهم وأهليهم، ولو علموا أن الرجل إذا ضحى من ماله عن نفسه وأهله شمل أهله الأحياء والأموات لما عدلوا عنه إلى عملهم ذلك). أ. هـ .

أيها الأحبة : إذا انقضت العشر فإن العمل الصالح لم ينقض ِ ففرائض الله على الدوام ومطلوبة في كل وقت . روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه و سلم   :" وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه ".

وكان من هدي النبي صلى الله عليه و سلم   المداومة على العمل الصالح طيلة أيام العام فقد روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : " كان رسول الله إذا عمل عملاً أثبته، وكان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة ".

والمداومة محبوبة لله عز وجل . ففي الحديث المتفق عليه عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل".

 وكان من هدي الصحابة رضي الله عنهم والسلف المداومة على صالح العمل : روى مالك في الموطأ وعبد الرزاق في مصنفه عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تصلي الضحى ثماني ركعات ثم تقول: لو نشرني أبواي ما تركتها.

وروى الحاكم عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم   قال: " يا فاطمة إذا كنتما بمنزلتكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين وحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبر أربعاً وثلاثين ". قال علي رضي الله عنه : والله ما تركتها بعد ، فقال له الرجل: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين .

وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه : " يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة" . فقال بلال  : ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهوراً في ساعة من لليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي .

يقول الحسن البصري: ما تركت تكبيرة الإحرام خلف الإمام قط.

أيها الأحبة : لا ينقضي العجب ممن يوفَّقون  في هذه العشر لعمل الطاعات، والتزود من الخيرات حتى إذا انتهت  نقضوا ما أبرموا ، وعلى أعقابهم نكصوا ، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير .  

فاحذروا هذه الآفة واجعلوا من قراءتكم لكتاب الله تعالى في هذه العشر منطلقًا للعزم على دوام تلاوته وتدبره وفهمه والعمل به واجعلوا من اعتيادكم الإحسان والبر سببًا لاستدامة سائر أعمال الخير التي كنتم حريصين عليها في هذه العشر .

داوموا على ما تعودتم عليه في هذه الأيام واعزموا على توبة نصوح أكيدة لا عودة بعدها أبدًا إلى العصيان . اتقوا الله وراقبوه في سركم وعلانيتكم فإن ربكم الذي أقبلتم على طاعته في هذه الأيام المباركة  حري أن يُتقى ويُستغفر وأن يُناب إليه، وأن يُحب وأن يقبل عليه في سائر العمر .

 إياكم وهذه العادة التي أصبحت فاشية في كثير من المسلمين إلا من رحم الله، لهم حالٌ في مواسم الطاعات ليسوا عليه في بقية الشهور .

سئل الشبلي رحمه الله : أيما أفضل رجب أو شعبان ؟ فقال : كن ربانياً ولا تكن شعبانياً.وقال الحسن البصري رحمه الله تبارك وتعالى: "لا يكون لعمل المؤمن أجلٌ دون الموت ثم تلا قوله تعالى { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }.

أمة الإسلام : أيام معدودات وتشرق  شمس العيد ، فلتشرق معها الشفاه بصدق البسمة، والقلوب بصفاء البهجة، والنفوس بالمودة والمحبة .

جددوا أواصر التحاب في الله ، والتراحم بين الأقرباء، والتعاون على البر والتقوى .

في العيد تتقارب القلوب على الود، وتجتمع على الألفة، ويتناسى ذوو النفوس الطيبة أضغانهم، فيجتمعون بعد افتراق، ويتصافحون بعد انقباض، ويتصافون بعد كدر، فتكون الصلات الاجتماعية أقوى ما تكون حبًا ووفاء وإخاءً.

واحذروا أن تأخذكم الغفلة في ذلك اليوم ، وتذكروا ما أمامكم من الأهوال والأمور العظام التي تكونون إليها بعد الموت، وهو مدركنا لا محالة، وتذكروا فيمن صلى معكم  في سالف الزمان من الأخوة والخلان كيف استدبروا الدنيا وأقبلوا على الأخرى، ولم ينفعهم إلا ما قدموا، ولم يلازمهم في قبورهم إلا ما عملوا، يتمنون استدراك ما فات وأنى للحياة أن ترجع إلى الأموات، وإنما يبعثون يوم القيامة من قبورهم للحساب.

تفكروا في القرون الخالية الذين غرسوا الأشجار وأجروا الأنهار واختطوا المدن والأمصار وتمتعوا باللذات والطيبات في طول الأعمار، كيف نقلوا إلى ظلمات اللحود ومراتع الدود فلم ينفعهم أحد، ولم يدفع عنهم أحد من الله شيئًا، قد بلغ فيهم أمر الله، وجرى عليهم حكمه وجرى فيهم قضاؤه وإن ما أتى على الأولين سيأتي على الآخرين، فأعدوا لحياة الأبد، ولا تركنوا لحياة النصب والنكد، فليست السعادة في لبس الجديد ولا في أن تأتي الدنيا على ما يتمنى المرء ويريد، ولا في أن يخدمه فيما يحب العبيد، لكن والله السعادة في تقوى الله عز وجل والفوز بجنة الخلد التي لا يفنى نعيمها ولا يبيد، والنجاة من نار عذابها شديد وقعرها بعيد{ قل إن الخاسرين الذين خسوا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } .

طباعة

<جديد قسم < صفحة الشيخ الداعية د . سعد البريك

مناقشة علمية حول الاحتفال بالمولد النبوي
فضل صيام يوم عاشوراء
ماذا يقول الليبرالي الشجاع عن الملك عبد العزيز ؟!!
من هم العلماء ؟ وما هي مكانتهم ومنزلتهم ؟
وقفات مع العيد
أفضال رمضان
كيف تستقبل رمضان؟
الزلازل
المعاصي وعواقبها


التعليقات : 0 تعليق
«إضافة تعليق المقالة »

ايميلك

اسمك

تعليقك


 
 

القائمة الرئيسية

 

 
 

الصوتيات والمرئيات

 

 
 

استراحة الموقع

 

 
 

جديد الدروس الكتابية

 

الحديث السابع والثلاثون

فصل: تعريف أصول الفقه

السؤال الثاني والعشرون

الشبهة الأولى

بَابُ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ-7

 
 

حملات الرسالة الدعوية

 

 
 

خدمات ومعلومات

 

 
Powered by: mktba 4.2

���� ������ ������ �� الرسالة