أطل علينا شهرُ المرابح بظلاله ونواله، وجماله وجلاله ، زائرٌ زاهر، وشهر عاطر، فضله ظاهر، بالخيرات زاخر، أرفع من أن يُحدَّ حسنُ ذاتِه، وأبدع من أن تُعدَّ نفحاتُه، وتحصى خيراتُه، وتستقصى ثمراتُه، نشر فينا عُرفَ الكبا، وريح الصبا، فلا ترى إلا عابداً يركع، وقارئا يرتّل ويخشع، يرقُّ قلبه ويدمع، بآيات تجلو الصدى، وتذهب الظما، فلنحمد الله أن بلَّغناه، ولنشكره على أن أدركناه ، فكم من طامع بلوغَ هذا الشهر ما بلغه، كم مؤمِّل إدراكَه ما أدركه، فاجأه الموت فأهلكه.كم حبيب لنا فقدناه، وكم عزيز علينا دفناه.فلنفرح برمضان .
ولم لا نفرح برمضان وهو شهر التقوى يقول تعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .
ولم لا نبتهج برمضان وهو شهر المغفرة وعن أبي هريرة t عن النبي e أنه قال :" من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه . متفق عليه . ومعنى الحديث : أن من صام شهر رمضان مؤمناً بفرضيته وثوابه مخلصاً في صيامه وطلبه الثواب من الله وحده فإن ثوابه غفران الذنوب الصغيرة المتعلقة بحق الله تعالى .وعن أبي هريرة t أن رسول الله e قال:" إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغُلَّقت أبواب النار وصُفِّدت الشياطين .متفق عليه .
ولم لا نبادر إلى اغتنام هذا الشهر ، وأبواب الجنة تفتح فيه لكثرة الأعمال الصالحة ، وترغيباً للعاملين، وتغلق أبواب النار لقلة المعاصي من أهل الإيمان وتصفد الشياطين فلا تصل إلى ما كانت تصل إليه في غيره.وكما قال الأول :
مرحباً أهلاً وسهلاً بالصيام يا حبيباً زارنا في كـــل عـــام
قد لقيناك بحــــب مفـــــعم كل حب في سوى المولى حرام
فلنبادر الفرصة، ولنحذر الفوتة ، لئلا نكون ممن أبى، وخرج رمضان ولم ننل فيه الغفران والمنى . صعد رسول الله r المنبر فقال: " آمين، آمين، آمين". فقيل: يا رسول الله، إنك صعدت المنبر فقلت: آمين آمين آمين!! فقالr :" إن جبريل عليه السلام أتاني فقال: من أدرك شهرَ رمضان فلم يُغفر له فدخل النار فأبعده الله قل: آمين، قلت آمين ". أخرجه ابن خزيمة وابن حبان .
ولنحذر ما أعدّه أهلُ الانحلال، ودعاة الفساد والضلال، من برامج مضلة، ومشاهد مخِلّة، فطوبى لمن تركوا شهوةً حاضرة لموعد غيب في الآخرة، لم يرَوه ولكنهم صدَّقوا به قال تعالى { وَٱلَّذِي جَاء بِٱلصّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ * لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء ٱلْمُحْسِنِينَ * لِيُكَـفّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِى كَـانُواْ يَعْمَلُونَ } .