عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" صنفان من أمتي لم أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات ، مميلات مائلات ، على رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا "
رواه مسلم .
1) التركيز على الحقيقة :
تعرض الأفكار وتمر المواقف السطحية من عدة جهات وأشخاص وخاصة في زمن الفضائيات وتجد من يقبلها أو يُقبل عليها بكل سهولة ويسر ، بل وبكل ثقة وتفاعل وتعاطي وتصبح من المسلمات لمجرد ظهورها ومرورها على الذهن ، بل ربما على البصر فقط ، مع أنه وبالتأمل ربما البسيط تكون الحقيقة على خلافها أو خلاف ما ظهر منها ، فلذا الحاجة إلى قليل من التركيز في ما يعرض ، فقد تظهر الحقيقة المخفية ، ففي الحديث : الظاهر أنهن " كاسيات " والحقيقة أنهن " عاريات " فكم من فكرة أو رأي الظاهر أنه إبداع أو تجديد والحقيقة لو تأملنا أنه تجاوز شرعي وتعدي ، وبالتمثيل القريب جداً من واقع المجتمع قد يظهر الخاطب الذي يريد الزواج ( مثلا ) بأمور سطحية كأن يكون ثريا أو صاحب مكانة اجتماعية أو ذو وظيفة مرموقة أ و غيرها من المظاهر ، لكن الحقيقة التي اختفت أنه مثلا قاطع للصلاة ، يتعامل بالربا ، عاق لوالديه ، وكذلك بالنسبة للرجل فقد يُوصف له جمال المخطوبة وذكاؤها ولا يَعرف من دينها وخلقها شيء .
فحتى لا يقع الندم يوم لا ينفع ، المطلوب هو التركيز على الحقائق فالأمور السطحية ظاهرها شيء وحقيقتها شيء آخر ، فمهما ظهرت على أنها " كاسيات " لا بد أن تُعرف الحقيقة يوما وهي أنها " عاريات " فلا بد من التركيز وإعمال العقل أمام كل ما يُعرض .
2) الابتعاد عن المثيرات :
تختفي حقيقة الأمور السطحية خلف مثيرات وتزداد غموضا بقوة تلك المثيرات ودرجة تأثيرها على الآخرين فلذلك يلجئ من يريد تمرير فكرته أو موقفه السطحي إلى إحاطتها بمثيرات تُلهي عن الحقيقة .
تأملوا هدي نبينا في الإشارة إلى ذلك فقال
" : مميلات ، مائلات " ....
هكذا حتى ينشغل الناظر بميلانهن ويميل معهن فينسى حقيقتهن أو تغيب عنه .
الأفكار السطحية لو أبعدنا عنها المثيرات أو أبعدنها عن المثيرات ، لكان التعرف عليها سهلا ميسرا ، فلذا تعمل المثيرات الكثير والكثير في تغييب الحقائق ، ومنه ينبغي أن نتنبه لما يكون مثيرا ولا نجعله يجرنا إلى الانبهار والانخداع بسهولة لكل فكرة ورأي .
وللتمثيل أيضا كم من السلع تكون عادية جدا ولا ميزة لها لكن أهلها استطاعوا بإعلان تجاري أن يثيروا حولها النفوس ويلفتوا الأنظار بما وضعوا من مثيرا إعلانية حولها وقس على ذلك الدعوات والشبهات التي تريد أن تدخل على المجتمعات ما ليس منها .
فالمثيرات " مائلات " عن الطريق الصحيح وأشد من ذلك أنهن " مميلات " لمن يتأثر بهن فليكن العقل حاضرا والذهن متوقدا حتى لا ينجر وراء دعايات يغرر بهن على الضعفاء .
3) التعرف على العلامات :
قد تغيب الحقيقة أو لا تكن واضحة وقد تؤثر المثيرات لكن هناك علامات تدل على السطحي من الأمور وغير السطحي ، بقليل من التأمل والتنبه والبحث يمكن رؤيتها والتأكد منها فأي فكرة أو دعوة أو قضية أو حتى موقف لها علامات تدل على وزنها وقدرها وحقيقتها ومن ذلك الأمور السطحية ، يدلنا قوله صلى الله عليه وآله وسلم
" على رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة "
على علامة هذا الصنف أو على أن له علامة يعرف بها ، فكذلك الصادق له علامات والكاذب مثله وكذا الجاد والهازل وعليه السطحي والعميق من الأفكار كلٌ له علامات تدل عليه تحتاج فقط إلى شيء من البحث عنها والتدقيق فيها ليتبين الأمر وتظهر الحقيقة .
4) النظر في المآلات :
قد تغيب الحقيقة ولا تظهر العلامات وتقوى المثيرات عن حقيقة موقف أو فكر أو رأي فعندها ينبغي أو تتأكد الحاجة إلى النظر في النتائج والثمار فإن قد وجدت في الواقع فالأمر سهل وإن لم فما يتوقع لها من نتائج بكل حيادية ووضوح وشجاعة .
فالتفكير السطحي و غيره من الأمور السطحية لا يهتم بالنتائج ولا يتنبه لها وقد يكون لها عواقب وخيمة وشديدة لا ينفعها عندها علاج فما أكثر الأفكار " الكاسية " وحقيقتها " عارية " مررتها " المميلات " من المثيرات والتي أخفت علاماتها الظاهرة " على رؤوسها " لكن لو وقفنا لدراسة النتائج لظهرت الحقيقة جلية فهنا كانت النتيجة " لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحا " فكم من الأفكار والتفكير الذي يباعد بين المسلم وبين الجنة يُقدَّم له على صحون من ذهب ظاهره الكسوة بالخير والرقي وحقيقته العري من ذلك وامتلاؤه بالسم الزعاف .
دراسة النتائج والوقوف عندها من الأهمية بمكان للتعامل مع كل ما هو سطحي أو لم تظهر حقيقته حتى يتم على ضوء ذلك تحديد الموقف المناسب منه بكل ثقة واطمئنان .
5) " ولا ينبئك مثل خبير " :
مهما بلغ بالإنسان الذكاء والقدرة على معرفة الأفكار والأشخاص إلا أن الإحاطة بكل شيء وبكل قضية وفي كل مجال مستحيل باعتراف العقلاء وعليه فليس من الصحيح الاستغناء عن الآخرين مهما كان وزنهم وعلمهم وخبرتهم فقد يكون عندهم ما ليس عند غيرهم .
يقول صلى الله عليه وسلم هنا ": صنفان من أمتي لم أرهما " ناصحا محذرا وإن لم يلتق بهما أو يراهما لكن النصيحة والتحذير واقع فعنده من الوحي ما ليس عند غيره ومنه نلمح إشارة أن سؤال من عنده ولو جزء معرفة وقليل خبرة حول موضوع أو قضية أمر مهم ولا غنى عنه بأي مبرر فقد يطلعنا على ما لم نكن نتوقع مما تخفيه المثيرات عن حقيقة ما يظهر أمامنا فكانت وصية ولو بالإشارة بسؤال من نثق بعلمهم وخبرتهم ورأيهم ولا نغتر بما فتن عيوننا وأسماعنا وغازل عقولنا فقد تكون حقيقته أنه " عاري " من التقوى مثلا وإن ظهر لنا بكامل الكسوة من البهرجة والإثارة .
أخيرا نحن في زمن صعب يجعل من التوافه ركائز ومن السطحيات حقائق عميقة فالحاجة إلى العودة إلى التعامل مع فقه سنة النبي صلى الله عليه وسلم ضرورية لنعيش بمبادئنا ونواكب عصرنا دون التفريط فيها .
اسأل الرحمن أن يرحمنا والكريم أن يكرمنا بصلاح ديننا ودنيانا
وصلى الله وسلم على نبينا وآله وصحبه