الفوائد التربوية من أحاديث الأحكام الفقهية
( الحلقة الأولى )
مقدمة :
ستبقى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم معينا لا ينضب ، ونبعاً لا يتوقف ، وهي غاية لكل صاحب غاية ، يأخذ منها ما يريد ، ويستضيء بنورها أينما كان ، فهي في بلاغتها قد ( بلغت عنان السماء ، ومنقطع ألأهواء ، ومتسع الفضاء ) كيف لا وهي \' وحيٌ يوحى \' وقائلها \' لا ينطق عن الهوى \' صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
وقد وقف قادة البلاغة وفرسان الفصاحة – قديما وحديثاً – عاجزين أمامها ، بل جعلوها مصدرهم ومرجعهم ، وهي الحاكم عليهم ، فصلى الله وسلم على خير من نطق بالضاد .
وما يسمى بأحاديث الأحكام الفقهية والتي جمع أهل العلم أجزاءً مستقلة منها في مثل عمدة الأحكام وبلوغ المرام وقف عندها شُرّاحُها- رفع الله قدرهم - وقفات فقهية لاستخراج الأحكام وتوضيحها لمبتغييها مع الإشارة إلى بعض الفوائد والفرائد التربوية التي تدل عليها تلك الأحاديث ، إلا أنها إشارات وليست هي الأصل في شرحهم لها ، فقد كان هدفهم نفع الأمة بشرح أحاديث نبيها وتبين الأحكام الشرعية المتعلقة بتلك الأحاديث فجزاهم ربي عظيم الأجر وأعلى المنزلة .
ولئن حديث الحبيب صلى الله عليه وسلم ( لا يحويه خطاب ، ولا يصفه إسهاب ، ولا يبلغ كنهه إطناب ، ولا يبلغ غايته تطويل ، ولا ينعته البليغ المطنب ، والخطيب المسهب ، ولا تصفه بلاغة ، وتنعته خطابة ، ولا يحيط بنعته لفظ ، الواصف له قاصر عنه ، والمتعاطي لنعته حاسر دونه ، والمسهب فيه مقتصد ، والمُفرِط فيه مُفَرّط ، والمطنب مقتصر ومقصِّر أيضاً ، والمطول موجز ، لا يُشرح معناه ، ولا يُوصف فحواه ، ولا يُستقصى وصفه ) فعليه نقول : كم ترك الأول للآخر ؟ كم ترك لمن يريد أن يقف ويتأمل ويستقصي – وأنّ له ذلك – الدروس والدلالات من تلك العبارات العظيمة .
وكلماتنا هنا ووقفاتنا نحاول فيها الغوص مع ضعفنا والاعتراف بعجزنا لاستخراج ما أمكن من دُرر وجواهر تربوية وإدارية من ذلك الكنز العظيم .
نقف عند أحاديث سُمّيت – اختزالا – أحاديث الأحكام الفقهية ، وهي بحق أحاديث الحياة ، عموما ، نقف عندها لكن بصورة جديدة وحلة قشيبة ،قاصدين توسيع الأفق في التعامل مع النصوص وفي التأمل فيها ، متوخين الإفادة تربويا وإداريا ، وفي دروس لا تنقصها الصراحة .
سميتها \' الفوائد التربوية من أحاديث الأحكام الفقهية \' ولا أدري هل يصح لي أن أسميها \' معجزات تربوية من أحاديث الأحكام الفقهية \' وقد وقع الاختيار على جملة من الأحاديث المتعلقة بالأحكام الفقهية الخاصة بالنساء موافقة للمكان الذي تنشر فيه والذي يسرني هنا بداية أن أتوجه بجزيل الشكر على القائمين على هذه المجلة - الفتح – على موافقتهم بل وتفاعلهم وتشجيعهم للفكرة ونشرها ونبدأ باسم الله مع الحديث الأول :
الحديث الأول:
( عن أمِّ سَلَمة – رضي الله عنها – أنّ أمَّ سُليم – رضي الله عنها – قالت : - يا رسول الله إنّ الله لا يستحي من الحق ، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت ؟ قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – \' نعم إذا هي رأت الماء \' . فقالت أمُّ سلمة : - وتحتلم المرأة ؟ فقال : \' تربت يداك فبما يشبهها ولدها \') البخاري ( 130 ) ومسلم ( 313 ) .
هذا الحديث راوه البخاري في عدة أبواب هي : باب الحياء من العلم في كتاب العلم ، وباب إذا احتلمت المرأة من كتاب الغسل ، وفي باب خلق آدم وذريته من كتاب أحاديث الأنبياء ، وباب التبسم والضحك ، وباب مالا يُستحيا من الحق للتفقه في الدين من كتاب الأدب ، وراوه مسلمٌ في كتاب الحيض باب وجوب االغسل على المرأة بخروج المني منها ، وهو من أشهر الأدلة الفقهية على مسألة احتلام المرأة واغتسالها من ذلك وأنّ مثلها مثل الرجل في تلك القضية ومنه نبدأ وقفاتنا التربوية :
1- الشفافية بين القيادة والأفراد : -سهولة الوصول إلى القيادة وطرح الفرد ما يَعتَرِضه من مشكلات أمامها ، فلو كانت القيادة في أبراج عالية يصعب الوصول إليها فهنا تحتقن صدور الأفراد بمشاكل ومواقف لا يرون حلها إلا بالجلوس مع القيادة ، وأن تسمع منهم القيادة مباشرة ، فقد تُستَسَاغ الإنابة عن القيادة في بعض الأحيان ، لكن لا تكون هي الصفة الغالبة أو الدائمة ، فانظر في الحديث السابق إلى هذا القائد الذي تلتقي به امرأة وهي فرد عادي في تلك المنظومة تلتقي به لتضع أمامه مشكلة من مشاكلها ، ومشاكلها الخاصة والشخصيّة ، لم تتأفف القيادة وتستنكف ، فالاستشكال وإن كان فقهياً في مسألة فقهية إلا أنه نموذج ، وفي السيرة مواقف كثيرة تؤيد ما ذكرنا ، والتي تدل بوضوح على هذه البساطة , بساطة القيادة التي لا تؤثر على الحب والاحترام والتقدير للقيادة ، بل تؤكّده وتعمّقه وتزيده ، وهذه السهولة تجعل من الفرد صريحاً واضحا واثقا من قيادته أيضا .
2- لا خُصوصية مع القيادة : - هناك لكل شخص قضايا خاصة وأمور شخصية – كما يقال – وهذا أمر طبيعي ، ولكن بالنسبة للفرد مع القيادة فالقضية تختلف ، فالخصوصية لا نقل معدومة ، لكن تقل وتنخفض ، فالفرد يضع أمامها كل ما يشغل باله ويقلق هاجسه ، لا لشيء ولكن ليجد عندها الحل والمخرج والراحة والاطمئنان ، إذ هو ينظر إليها بمنظور القيادة التي يجب عليها أن تكون ملاذاً له وعونا على حياته بجميع جوانبها ،كطفل رضيع يرى الكون في أمه .
3- سهولة العبارة وبساطة اللغة في التعامل مع الأفراد : - التنطع في الخطاب ، والتشدق في العبارة مع أفراد عاديين ، وخاصة عند علاج مشكلةٍ ما ، لا يحقق فائدة بقدر ما يفسد للود قضية ، فَنَعَم تظهر القيادة بقوة الفصاحة والبيان ، ولكن هل حققت الوصول إلى نفوس وخواطر الأفراد ووضعت الدواء المناسب ؟؟
انظر إلى عبارة القائد الفذ وبكل يسر وسهولة \' نعم . إذا رأت الماء \' فلا داعي للتوسع في البلاغيات على حساب معالجة المشكلة من أجل الظهور بمظهر القوة في الفصاحة والتمكن من اللغة والأسلوب في الخطابة فلكل مقام مقال .
4- الشجاعة شرط للخوض في العمل الدعوي : الشجاعة ألأدبية جزء من قاموس الشجاعات التي يحتاج إليها الداعية ، والداعية أحوج ما يكون إليها إذا مارس العمل وقام بالنصح والإرشاد وخاض غمار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإذا لم يكن يملك ولو جزء منها سيسكت في موقف ينبغي أن يتكلم فيه ، وسيتوقف في مكان ينبغي أن يتحرك فيه.
وغياب الشجاعة الأدبية مع القيادة قد تخفي في الصدور ما يجعل الفرد في حرج شرعي أو ضيقٍ نفسي ، فانظري – رعاكِ الله – إلى شجاعة هذا الفرد (أم سُليم ) مع عظمة هذا القائد ( النبي صلى الله عليه وسلم ) انظري وتأملي كيف لو لم تملك هذه الشجاعة كم كان سيلحقها من حرج وضيق بسبب هذه المشكلة .... وهكذا غيرها .
5- لا استغناء عن العقل .... لكن : النقاش العقلي له حاجة ، وله موقف ، وله وقت يكون فيها مطلوبا ، ويكون هو الأسلوب الأمثل والطريق الصحيح في الدعوة إلى الله ، فهذا قول المصطفى صلى الله عليه وسلم \' فبما يشبهها ولدها \' ردٌ عقليٌ صرف ليُثبتَ أن المرأة تحتلم ويُجيب على تعجب أم سلمة ، فالحاجة إلى المحآجة العقلية تبقى قائمة ومستمرة يحتاج إليها من يتعامل مع الناس ومن يدخل في نقاش وجدال وأخذ ورد .... ، ولكن مع ما قلنا ينبغي ألا ننسى القاعدة والأصل المشهور وهو : النقل مقدمٌ على العقل .
6- اليقين لا يزول بالشك ..: الاحتمالات والظنون تبقى كما هي احتمالات وظنون ، ولا ترتفع إلى درجة الثابت واليقين ، فإذا ظهرت إشاعة عن القيادة عند الأفراد أو عن الأفراد عند القيادة ، فتبقى كما هي إشاعة وظنية واحتمال ، وهنا ينبغي اتخاذ أمرين :
الأول : عدم اتخاذ موقف أو إصدار حكم بناءً عليها . الثاني : التأكد والتحقق منها .
فاليقين يبقى يقين والشك يبقى شك ولكلٍ موقف وحكم يناسبه ، فانظري هنا : لا غسلَ إلا بيقين \' إذا هي رأت الماء \' بمعنى ( نعم إذا تيقنت ) أمّا مجرد الشك والظن فلا يُبنى عليه حكم .
والله أعلم
أ. نبيل النشمي


تاريخ الاضافة:
13/03/2008 


أقلام الرسالة
برامج
::كتب التاريخ والسيرة::
:: متواليات قصصية ::
::دروس الشيخ محمد ناصر الدين الألباني::
أحب رمضان (للأطفال)
:: الشيخ محمود المصري ::
فلاشات الطفل المسلم
تصاميم وشعارات لؤلؤة الرسالة
::مواقع إسلامية::
