اسم
المقالة : الفوائد التربوية من أحاديث الأحكام الفقهية ( الحلقة الثانية ) .
كاتب المقالة: نبيل النشمى
تاريخ الاضافة:
13/03/2008
الزوار: 237
الفوائد التربوية من أحاديث الأحكام الفقهية
( الحلقة الثانية ) .
أ. نبيل النشمي
ظُلمت المرأة من صنفين وبسببين مختلفين ، الصنف الأول : من أهلها وبسبب سوء التصرف ، والثاني : من أعدائها وبسبب سوء القصد ، ولأنه لا حيلة لنا في أن نمنع أعداءنا من أن يقصدوننا بسوء ، فهذه طبيعة العداوة ومن الغباء إنكار ذلك أو المطالبة بتركه ، لكن أن نصحح سوء تصرف بعضنا هو الممكن بل هو المطلوب ، ولأن سوء التصرف هذا من أسبابه سوء فهم للنصوص والأدلة التي استدلوا بها ، أو اعتمدوا عليها ، فالذي ينبغي أن يُوضح المفهوم الصحيح ويُبين لمن فهم فهما خاطئاً ، وهنا سنقف عند أحاديث فيها إشارات تربوية تعالج أو تشير إلى علاج مثل هذه حالة ، وكنا قد وقفنا عند حديث سابق نقل إلى موقع الرسالة في المقالات الفكرية ، واليوم نقف عند حديثين حُفظت أو دُونت في كتب وأبواب الأحكام الفقهية نقتطف منها بعضاً من تلك الإشارات : الحديث الأول : ( عن مُعاذة – رضي الله عنها – قالت : سألت عائشة – رضي الله عنها – فقلتُ : ما بال ُ الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ فقالت : أحروريّةٌ أنتِ ؟؟ فقلتُ : لستُ بحرورية ولكني أسأل . فقالت : كان يُصيبنا ذلك فكُنّا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة ) . البخاري (321 ) ومسلم ( 335 ). الدروس والفوائد : 1- طرح الاستشكالات مهما كان نوعها : قد يشغل ذهن الفرد سؤال غريب ولكنه يمثل عنده مشكلة يريد لها جواباً ، فهنا لا يتردد في طرحها ومناقشتها مع توضيح قصده من السؤال ، حتى لا تبقى بدون جواب ، هذا السؤال الذي طرحته معاذة رضي الله عنها ربما لم يخطر على بال كثير وكثير جدا من النساء ، فلما مثّل عندها مشكلة سألت واستفهمت ، فكم من الإستفهامات التي تبقى حبيسة الصدور وتحتاج على جواب فهنا يلتقي دور القيادة مع الفرد في تطوير آليات الحوار والمناقشة للوصول على الإجابة الشافية . 2- التأكد من الدافع عند الأفراد : قد يظهر موقف غريب أو تصدر عبارة مريبة من فردٍ ما ، وربما يحصل شيء من الاستعجال فيصدر الحكم في حقه ظلماً ، فهنا لا بد من التأكد من دواعي هذا الموقف وتلك العبارة وسببها ، فعائشة هنا تأكدت من سبب سؤال معاذة وهل الدافع عقيدة منحرفة أم غيرُهُ ؟ لأنّ الموقف يختلف والرد كذلك يختلف ، فمعرفة الدوافع توفر جهدا وتقترب من الحقيقة أكثر ، والتأكد من الدوافع قد يكون مباشرة وهو الأسلم كما في الحديث ، وقد يكون بطرقٍ أخرى تعتمد على ذكاء وفطنة من يقوم بها . 3- \' إنها صفية \' ... قانون : لا يخرجكِ من موطن الشبهات إلا توضيح موقفكِ وقصدكِ وتبيين حقيقة ما وقعتِ فيه ، أما الاعتماد على الثقة والتاريخ والسيرة المعروفة عنكِ فربما ينفع لكنه قد يترك في الصدور شيئا ويعطي الشيطان فرصة ، فبيّني ووضّحي ، وخاصة إذا وقعتِ في موطن شبهة ، فلا تتركِ مجالا للخوض ومرتعا للألسن ، وأقل شيء التبرؤ من الشبهة : ( لستُ بحرورية ) وتوضيح ما تريدين : ( ولكني أسأل ) . 4- اقتراب من صاحب المشكلة : في علاج المشاكل وأثناء البحث عن حلٍ لها حاولي الاقتراب أكثر من حال صاحب المشكلة ، وحاولي أن تتصوري الوضعية التي يعيشها ،وضعي نفسك موضعه لتشعرين أنتِ بحجمها ويشعر هو بدفئ الإحساس وبتفاعل العاطفة معه ، إن قول عائشة رضي الله عنها \' كان يصيبنا ذلك \' قد تكون عبارة عابرة لكنها عند صاحب المشكلة تمثّل شيئا كبيرا تجعله يتقبل بكل سرور واطمئنان مثل \' فكنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة \' . 5- لا تُترك الشبهة عالقة : لا بد من الجواب والرد عن شبهٍ يطرحها الأفراد أو المدعُويين ، وخاصة الذين يُعلم من حالهم قصد الخير والبحث عن الحق ، والجواب بقدر العلم والمعرفة المتوفرة ، ولا داعي للتشبع بما ليس موجودا ومحاولة التعالم في الإجابة فربما تزيد الطين بلة والوجع علة والشبهة شبهة ، فعائشة رضي الله عنها لما تأكدت من سبب السؤال أجابت ، وأخبرت السائلة أن الأمر توقيفي وما علينا إلا التسليم . الحديث الثاني : ( عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \' استوصوا بالنساء خيراً ، فإنّ المرأة خُلقت من ضِلَع ، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه ، فإنْ ذهبتَ تقيمه كسرته ، وإن تركته ، لم يزل أعوج ، فاستوصوا بالنساء \' متفق عليه . وفي رواية \' المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها، استمتعت وفيها عوج \' ). الدروس والفوائد: 1- العناية والاهتمام بالأفراد والأتباع : ما أجمل أن يشعر الفرد باهتمام القيادة والحرص عليه، وكم لذلك الشعور من اثر في تعامل الفرد مع قيادته ، وبالأخص إذا كان شعورا صادقا نابعا من الداخل وبعيدا عن الدعايات والتمثيل ، ها هو يظهر جلياً في وصية عامة \' استوصوا بالنساء \' تخصيص للأهمية ، وبوصية نوعية \' خيرا \' ، بها بدأ وبها اختتم ، يا الله ما أروع هذه القيادة ؟ وما أوسع أُفقها وأشمل نظرتها ؟؟ ويأتي بعد ذلك من يتعجب من حب أولئك الأفراد لهذه القيادة !! . 2- الاعتراف بالحقيقة ....( قوة ): الحقيقة التي نعرفها عن أنفسنا ، وربما لا يعرفها الآخرون ، لا يعني إظهارها الضعف ، فقد يكون الضعف في القدرة على الإلقاء ، أو في التكلم بطلاقة مثلا ، وربما فيكِ عيب خَلقي ليس بيدكِ من أمره شيء ، تستحي منه ويمنعكِ وجوده من الحصول على خير كثير خجلا وحياء ، وهذا التصرف خاطئ ، فمن اُبتلي بشيء لا يعني أن يستسلم لوسواس النفس أو لعادات ظالمة تمنعه من أن يشارك المجتمع أو من أن ينال من الخير أو من أن يستغل مواهبه التي يملكها ويستطيع من خلالها أن يكون شيئا ، بل شيئا مهما فهنا المرأة \' خُلقت من ضِلَع \' حقيقة لا تستطيع أن تفر منها ، لكن لا تمنعها هذه الحقيقة من أن تمارس حياتها بل وتبدع وتكون رقماً مهماً في المجتمع ، بل لا حياة للمجتمع بدونها . 3- وللقمة أخطاء أيضاً: مما يسبب لبسا تربويا عند كثير من الأفراد أنهم يتصورون القادة بصورة مثالية مبالغ فيها ، أولاً لإعجابهم وحبهم ، وثانياً لظنهم بأنهم في مقام القدوة والامتثال للمبادئ التي يريدونها من الناس ، وهذا حق ، لكنهم يغفلون عن حقيقة ثابتة وهي أنهم بشر غير معصومين مهما بلغوا من العلم والتربية والمكانة ، لذلك لابد من تقَبّل أنهم يخطئون ولا شك ، وليسوا معصومين ، ففي قوله صلى الله عليه وسلم هنا \' أعوج ما في الضلع أعلاه \' إشارة إلى أن بعض العلو لا يسلم من عوج وخلل ، وقد يكون طبيعيا فيه وملازماً له ، ومع القول بهذا إلا أننا نقير إلى أن هناك أخطاء لا يصح أن تقع من كبار القوم وأن الأجدر بهم واللائق بمكانتهم الابتعاد عنها . 4- إنهاء المشكلة والتخلص منها .... ليس هو الحل الأمثل دائما ً : هناك نوع من المشاكل شبه ثابتة ودائمة ، ولا تنتهي ومن يحاول التخلص منها نهائيا إنما يُتعب نفسه ويرهقها ، فمن الصعب إزالتها ، وهي موجود على مستوى الأسرة ، أو المجتمع ، أو البلاد ، وهي التي يقال فيها \' مشاكل مزمنة \' ومنها ما يكون على مستوى فرد واحد ، نحاول معه ولكن بدون جدوى إذ أصبحت المشكلة جزء منه ، وهذه مع قلتها إلا أنها موجودة ، وعندها فمِن المنطق أن تبقى أو أن يتم التعامل معها بواقعية وموضوعية وبدلا من أن تُبذل الجهود والطاقات من أجل إزالتها - ولن يكون - فلتُوجّه الجهود إلى تخفيفها وتقليل ضررها ، تأملي قول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - : \' إذا ذهبت تقيمه \' النتيجة \' كسرته \' أنت تريد إصلاحه وتعديل خلله ، لكنه ليس الحل ، فهذه مشكلة حلها لا يعني التخلص منها لكن حلها تخفيفها \' فاستوصوا \' . 5- النعيم الكامل في الجنة : الدنيا هي الدنيا مهما طابت لأهلها ولانت لهم وكانت بين أيديهم فلا بد من كدرٍ ونغصٍ يذهب بلذتها ، ويفسد طيبها ، فأهل المال يشكون ، وأهل العافية يشكون ، وأهل الرئاسة والمناصب كذلك ، ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) وهذه حقيقة الدنيا \' وإن استمتعت بها، استمتعت وفيها عوج \' فلن يُنال النعيم الكامل إلا في الجنة ، اللهم ارزقنا النعيم الكامل . وختاماً كم نحن بحاجة إلى إعادة النظر في نظرتنا إلى كثير من النصوص التي وقفنا عندها في باب خاص ولم نوسع الأفق فنتج عن ذلك مفاهيم قاصرة وتصرفات خاطئة ، استغلها البعض للمز والغمز بالدعاة بل بالإسلام ومن ذلك فيما يخص المرأة وموقف الإسلام منها ، وعليه فمن الإشارات السابقة واللاحقة - التي ستأتي بإذن الله - نوجه دعوة لإعادة النظر المقصودة والحق أحق أن يتبع والله المستعان