الحجاب وهدية الأمان
عبير النحاس
كنت قد شعرت بالأمان بعد أن وضعت لُصاقة على كاميرا الحاسوب الخاص بي خوفا من أي اختراق, وعاد بي هذا الشعور زمنا إلى الوراء, وتذكرت إحساسا جميلا بالأمان غمرني يوم ارتديت الحجاب.
كان ذلك في السنة الأولى من دراستي في معهد الفنون, وكان قرارا لا رجعة فيه أيضا بعد أن رأيت من أحوال صديقات لي محجبات ما أعجبني وأغراني بارتدائه بلا تردد.
في مجتمعي الذي نشأت فيه لم يكن أمر الحجاب مألوفا, وأذكر أنني بحثت طويلا عن حجاب طلبته مدرسة التربية الدينية عندما كنت في الصف الرابع الابتدائي ولم أجد, واضطررنا يومها للذهاب إلى بيت جدتي ووجدت هناك "إيشارباً" حريرياً ملونا وصغير الحجم كما كانت الموضة في تلك الأيام, وكان أن اتخذت قراري بعد أن تم قبولي في المعهد، وبالفعل تم لي ما أردته.
بالطبع كنت أبدو بين الجميع طفرةً, وعانيت من كلمات السخرية طويلا، وقالوا إنني بت أشبه الجدات, ثم أُخبرت بأنني لن أتزوج بعد ما فعلته بنفسي، وأن أيا من الشبان لن يفكر في دفن نفسه مع مثلي, وكنت أناقش حينا وأصمت ترفعا في كثير من الأحيان.
وكانت أكبر الحروب على الإطلاق تلك التي خضتها مع نفسي, وكانت قد شنتها علي بقوة وامتلكت الكثير من الأسلحة التي أشهرتها في وجه صمودي, فأذكر أنها أخبرتني أن أحدا لن يتذكر تلك الحسناء, وأنني إن تزوجت فكيف سيكون حفل زفاف لا يزينه شباب وصبايا العائلة معا, وأكدت لي أنني سأبقى وحيدة هكذا دون صديقات بعد أن غدوت في هذا المجتمع كواحدة من عجائب الزمان.
وكدت أرفع راية الهزيمة تحت تلك الضغوط, وتلك الحرب التي شنتها عليَّ روحي, وصمت أهلي وقرارهم بترك الأمر برمته لي وحدي.
وفي الناحية الأخرى كانت تهب نسمات عليلة منعشة, كنت أرى في عيون البعض شيئا من إعجاب، وفي عيونهن كثيرا من الانكسار, وكانت كلمات أحدهم وقد صارحته برغبتي في ترك الحجاب فقال:
"سيضحك الجميع عليك, وسيشمتون بك, فكلهن يتمنين لأنفسهن ما فعلت, ولكنهن ضعيفات".
وكأن كلماته كانت جرعة الدواء, وكأن الله أرسله بها ليداوي تلك العلة, فكان الثبات.
بدأت بعدها ألمح في العيون احتراما وتقديرا, وكنت أول من تزوج من أولئك الفتيات, وكان زوجا أستطيع أن أفخر بارتباطي به, ولم يفسد غياب الشبان حفل زفافي مطلقا, فكان أن فقدت أسلحة الجميع أنصالها وخاب سلاح نفسي معهم.
وبدأ السرور يتبدى لعيني بعد حين فرأيت الحجاب يزين رأس والدتي وأخواتي وخالاتي وصار وجود الحجاب أمرا عاديا بعد سنوات عدة, وقد تذكرت تلك الأيام السعيدة بعد أن أعادت إليَّ لصاقتي ذلك الشعور اللذيذ بالأمان, وحمدت الله أن هداني وأهداني هذا الثبات، وسألته تعالى حسن الختام.