كنت كمن عثر على كنز سليمان عندما وجدت تلك الكرة البراقة في محل الألعاب المجاور لمنزلنا , فقد كانت تلك الكرة تشبه تماما كرة أميرة جميلة في إحدى قصص سلسلة
( الليدي بيرد )
خاصتي , و قد فرحت بها فرحا لا يوصف و لم أنتق يومها لعبة غيرها , رغم أنها كانت مصنوعة من البلاستك الرخيص و مطلية باللون الذهبي فقط و لم تكن من الذهب الخالص ككرة أميرة الضفدع , و تركت كرتي في الشرفة أياما و انتظرت بلهفة أن يعيدها إلي ضفدعي المسحور , و لكنَّ أي ضفدع لم يصعد إلى شرفتنا و لم يأتني بها أحدهم أبدا , و زال طلاء كرتي البراق بعد مدة و ركنتُها في سلة الألعاب , و انشغلت بجديلة شعري فكنت أقيس طولها في اليوم أكثر من مرة لأتأكد أن أميرا ما سيستطيع تسلقها عندما سأكون سجينة برج الساحرة الشمطاء , و عندها لن أهتم لو قصَّت السّاحرة جديلتي , فسأكون حينها قد حصلت على أمير , و لم تسجنني ساحرة قط , و لم تقص جديلتي بيديها القاسيتين , بل فعلت ذلك والدتي عندما اصطحبتني إلى صالون التجميل , و طلبت من مصففة الشعر أن تقص الجديلة ففعلت و هي تمضغ علكة كبيرة جدا, وقد كنت متأكدة أن أية ساحرة لن تستسيغ مثل هذه العلكة و متأكدة كذلك من أن أي أمير لن يستطيع تسلّق ما تبقى من الجديلة حتى و لو كان قزما , و عزمت على مساعدة والدتي في المطبخ طويلا كما كانت سندريلا تفعل أملا في الحصول على حذاء زجاجي من عرّابة تلك القصة , ولكنّ والدتي لم تطلب مني أن أنام في المطبخ يوما , و لم تُدْعَ و أخواتي إلى حفلٍ من دوني , و لهذا لم تجد تلك العرّابة سببا لزيارتي و تقديم الحذاء الزّجاجي لي , بالإضافة إلى أن مقاس قدمي كان عاديا و لم تكن صغيرة جدا كما كانت قدم سندريلا , و ربما تاه الأمير في رحلة البحث عني .
و مرت السنون و نسيت أمر سلسلة ( الليدي بيرد ) , و انكببت على شعر المحبين , و نهلت من عذب غَزَلهم و جميل قصصهم, و عشت مع روايات ترسم أبدع صور الحب و السرور , و كانت أمنيتي أن أعيش ما عاشوا , و أتذوق تلك القطرات العذبة من اللوعة و الحنين و الشوق , و لا بأس بدموع الفراق و شقوة الهجر و البعاد , و لم أكن أرغب في قصة تهين من كرامتي أو تسيء إلى سمعتي رحمة بمن رباني , و لكن الحب حاجة أساسية ملحّة و قد أججت نارها كل الظواهر التي نحياها في هذا الزمان , و حفظت قلبي ترفعا و حفظني ربي , و مضت الأيام بكل خير إلى أن منّ الله عليّ بزوج طيب كريم , و لكنَّ زوجي لم يكن مسحورا كما سُحر هؤلاء الأمراء و لم تشفه دموعي من السحر كما شفت جميلة وحشها , و لم يعانِ لوعة الفراق كما عنترة بن شداد , و لم تصبه أزمة تزجه في سرير المرض من حرارة الحب ككثير من أبطال الأفلام و الروايات , فارتد السرور حزنا بأن حرمت السعادة التي ذاقت طعمها الحلو كل أميراتي , و وجدتني زهدت بالزوج , و رأيت أن زواجي التقليدي حرمني من حذاء الزجاج و كرة الذهب البراق و قصائد الشوق و لوعة البعاد و كل ما أحببته في قصص الحب, عدا عن كون شَعر زوجي أسود اللون قصير الخصلات و ليس طويلا أبيضا بلفات كبيرة كما أمراء الورق الملون الساحر , بالإضافة إلى أنه كان يرتدي الملابس العادية و لا يمتلك عباءة السوبرمان أو ثياب الفرسان .
و أصبت بالإحباط .. فمن رأيت فيه خيال أمرائي لم يمرض حبا , و لم يعانِ سحرا , و لم يقل شعرا , و لم يذرف لفراقي الدموع , و أنى له الفراق فأبعد مسافة بيننا هي المسافة التي تفصل المطبخ عن غرفة الجلوس , كيف لا و أنا زوجه و معه في كل مكان .
و لازمني شعور بأن شيئا ما قد بقي ناقصا و أنني لن أعيش ذلك السرور يوما , و لم تعنيني ابتسامة الإعجاب في عيني زوجي, أو لمسة الحنان , أو نظرة الرحمة , و كلمات الوداد .
و استمر بي هذا الحال حتى وقعت عيني على قصة أميرة حقيقية أحبت بعد الزواج أميرها , و عشت أحداث قصتها مستمتعة مستزيدة مسرورة , فأميرتي هذه قد عاشت قصة حب مع أمير حقيقي لم يُسحر و لم يَمرض كما هو حال أميري أو أمير شقتنا الصغيرة , وقد بدأت قصتها بعد الزواج و ليس قبله كتلك القصص التي تنتهي بالزواج و لا تحكي لنا عما حصل بعد حفلته الأسطورية , و ما أدراني أن سندريلا لم تكن سليطة اللسان مع الأمير و أنها لم تحزم ملابسها و حذاءها الزجاجي و تغادر غاضبة نحو منزل والدها لتشكو ظلم أميرها , و من يستبعد أن تصبح جميلة بليدة كسولة في بيت الوحش المسحور , و ربما لم تهتم بنفسها فطلقها بعد حين , و لربما عانت عبلة لو تزوجت عنترة من سوء خلقه و قسوة طبعه , و لربما سماها
( غوانتانامو )
في قصائده كما سمى ذلك الزوج زوجه في الهاتف المحمول ,و قد يكون أولاد قيس ممن يدخنون أو يتناولون نوعا من أنواع المسكرات , و ما قيمة حب لا يستمر بعد الزواج , و لكنّ هذا الأمير ما زال يعلن حبه لزوجته أمام قادة جنده و رعيته بعد سنوات من الزواج , و لم تتوانَ هي عن العناية بنفسها و شكلها حرصا على حبه و طلبا لرضاه , و قد بقيت تحرص على قلبه رغم أنه لم يسعدها بقصر تعيش فيه ..
بل كان لا يميز نفسه عن رعيته أبدا , فعاشت معه في منزل صغير دون أي مقتنيات ثمينة , و كانت راضية سعيدة بهذا الحب, و لم تخجل و هي تستعير من صديقاتها حليهن لتراها بها عيناه, و بقيت معه تستمتع بصحبته و حبه و تملأ عينيها من حسنه و بياض بشرته و سواد شعره الجميل , و تستظل بشجاعته و شهامته و عدله و فروسيته و تنعم بأصله النبيل, رغم أنها كانت تعاني كما عانيت من نوبات غيرة و غضب و كانت تخاصمه و تهجره و تغاضبه كما أفعل أنا تماما , و قد بقيت نار الحب ملتهبة حتى بعد أن فرق الموت بين المحبّين .
لقد كان اسم أميرتي عائشة بنت الصديق و كان أميرها محمد “صلى الله عليه و سلم” , و قد أعادت لي تلك القصة بعض الأمل و بدأت أبحث عن دقائقها الرائعة , و كنت قد تيقنت أن قصص الهوى الجميل يمكن أن تسكن بيوت الأزواج و ينعمون بها , و أنها ليست حكرا على الورق و ألوان الشاشة و حروف الشعر العذبة , و بدأت أكتب سيناريو قصتي بأعمال تشبه أعمال الأميرة النبيلة , و عشت معها سعادة لذيذة .. دون ضفادع و دون وحوش و دون أحذية من الكريستال الشفاف , و رأيت أن متعة الحب بين الأزواج بارعة رائعة , و أنني سأغدو بها أميرة و لو كنت لا أملك أي قصر .
عبير النحاس