عالم من الجمال
عندما كنت في التاسعة من عمري , اصطحبني والدي مع أختي إلى مزرعة أحد أصدقائه , و هناك رأيت عالما لم أكن قد عرفته من قبل , فقد تطوّع ابن صاحب المزرعة لأخذنا في جولة فيها , و هناك رأيت أنواعا كثيرة من الخضروات و الفواكه التي لم أكن أعرفها إلا في دكان البائع راقدة دون حياة .
فقد رأيت ثمار الباذنجان بلونين أسود و أخضر , و رأيت حبات الكوسا و الطماطم وعرفت شكل شجرته , و رأيت الخيار و البامياء و عرفت كيف يحصلون على بذورها , و ابتسمت لثمرات البطيخ و هي ترقد بكسل لذيذ تحت أشعة الشمس الدافئة .
و أذكر أنني لمحت خروفا صغيرا هناك , و كان هذا أول لقاء يجمعنا بعيدا عن الشاشة الفضيّة أو المجلات الملونة , و بالرغم من أن رائحته قد صدمتني وقتها , و لكنني تجاوزت الأمر و رحت أمسح رأسه بحنان و حب كبيرين , و أذكر أنني طلبت من والدي بإلحاح أن يشتريه لنا لنربيه في شرفة منزلنا .
و قد كان مضيفنا كريماً معنا فسمح لنا بقطف بعض الخضراوات , و أهدانا زهرتي ( دوار الشمس) و قد امتلأتا بالبذور اللذيذة .
لقد تعلمت الكثير يومها و رأيت الكثير , لقد احتوت زيارتنا الجميلة من المعلومات ما يساوي كتابا كاملا جافا مما نتعب في المدرسة بتعلمه , و لقد احتوت من المشاعر و العواطف ما يساوي روايات كثيرة .
ما زلت أذكر أن طعم خضرواتي, كان ألذ من أي خضراوات عرفتها , و كان طعم بذور زهرة ( دوار الشمس ) خاصة لا يشبه طعم ما كنت أشتره في دكان جارنا .
فأين نحن من دروس الطبيعة و جمالها و عذب مجالستها , و أين أولادنا من رؤية بديع صنع الله و التأمل في الكون الواسع البديع , و قد أغلقنا عليهم أبواب الشقق الصغيرة, و قمنا بعزلهم فيها عن الطبيعة الرائعة , و باتت كل نزهاتنا إلى المطاعم أو إلى مدن الألعاب الميتة و التي لم تمتلك يوما ابتسامة الأرض و النبات و الماء الزلال في تلك المزرعة , و لم تعرف يوما شكل خروفي ولم تذق طعم حبي له و رغبتي في اقتنائه و العيش بجانبه .
مما نشرته في موقع رسالة الإسلام
|