لأنه موضوع في غاية الأهمية وبخاصة في هذا الوقت الذي كثرت فيه الفتن ، وخلط كثير من الحق بالباطل ، واغترب المتمسكون بالكتاب والسنة على منهج سلف هذه الأمة .
إن من الأمور الملاحظة أن كثير من الناس لا يفصلون في هذا الموضوع وذلك إما تلبيساً وإما جهلاً وإما غير ذلك . فيكفرون من حكم بغير ما أنزل الله كفراً أكبر ولا يفرقون بين الذي يحكم بغير ما أنزل الله جحوداً والذي يحكم بهوى عن نفسه وهو مقر أنه اتبع هواه ويعتقد أن حكم الله أفضل وأحسن .
ويتخذون من مثل هذه الأمور سلماً لإيغار الصدور ضد ولاة الأمور .
وكثير من الناس يرددون أن الحاكمية لله ولا شك في صحة هذا الكلام .
ولكن هؤلاء يتجهون اتجاهاً واحداً وهو حكم الحكام ولا يحكمون أنفسهم في كثير من القضايا ، ويغفلون عن أهم الواجبات ، ألا وهو توحيد الله وإفراده بالعبادة وغير ذلك من أمور الدين التي لا يقوم الدين إلا بها .
قال تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }
وقال تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون }
وقال تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون }
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآيات :
وقال علي وان أبي طلحة عن ابن عباس قوله تعالى في الآية الأولى { هم الكافرون } قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر . ومن أقر به فهو ظالم فاسق .
وقال عبدالرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاؤوس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قوله تعالى { ومن لم يحكم } الآية . قال : هي به كفر . قال ابن طاؤوس : وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله .
قال الثوري عن جرير عن عطاء أنه كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق . رواه ابن جرير .
وقال وكيع عن سعيد المكي عن طاؤس في قوله تعالى { فأولئك هم الكافرون } قال : ليس بكفر ينقل عن الملة .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عبدالله بن يزيد المقري حدثنا سفيان بن عيينه عن هشام بن حجير عن طاؤس عن ابن عباس في قوله تعالى : { فألئك هم الكافرون } قال : ليس بالكفر الذي تذهبون إليه .
ورواه الحاكم في المستدرك من حديث سفيان بن عيينه . وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . هذا ما تم نقله من تفسير ابن كثير رحمه الله .
وقال الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي ـ رحمه الله ـ في تفسيره لهذه الآيات في قوله تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله } من الحق المبين ، وحكم بالباطل الذي يعلمه لغرض من أغراضه الفاسدة .
وقوله تعالى : { فأولئك هم الكافرون } فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر ، وقد يكون كفر ينقل عن الملة وذلك إذا اعتقد حله وجوازه .
وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب ومن أعمال الكفر . قد استحق من فعله بالعذاب الشديد .
وعن قوله تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } قال ابن عباس : كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق . وهو ظالم أكبر عند استحلاله وعظيم كبيره عند فعله غير مستحل لله . إلى آخر تفسير رحمه الله .
اعلم رحمك الله تعالى أن هذا هو القول الصحيح والمعروف والمشهور عند أهل العلم .
وبما سبق من تفسير ابن كثير وتفسير الشيخ عبدالرحمن السعدي ــ رحمهما الله ــ أن الحكم بغي ما أنزل الله ينقسم إلى :
كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق .
وسئل سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز ـ رحمه الله ـ في فتاويه هذا السؤال :
س/ هل يعتبر الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله كفاراً ؟ وإذا قلنا أنهم مسلمون فماذا تقول في قوله تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }
ج/ الحكم بغير ما أنزل الله أقسام تختلف أحكامهم بحسب اعتقادهم وأعمالهم . فمن حكم بغير ما أنزل الله يرى أن ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر عند جميع المسلمين ، وهكذا من يحكّم القوانين الوضعية بدلا من شرع الله ويرى أن ذلك جائز ولو قال أن تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر لكونه استحل ما حرم الله .
أما من حكم بغير ما أنزل الله اتباعاً للهوى أو الرشوة أو العداوة بينه وبين المحكوم عليه أو لأسباب أخرى وهو يعلم أنه عاصٍ لله بذلك وأن الواجب عليه تحكيم شرع الله ، فهذا يعتبر من أهل المعاصي والكبائر ويعتبر أنه أتى كفراً أصغر وظلماً أصغر وفسقاً أصغر . كما جاء هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن طاؤوس وعن جماعة من السلف الصالح وهو المعروف عند أهل العلم . والله ولي التوفيق . انتهى كلام سماحة الشيخ رحمه الله .
وقد ذكر الشيخ العلامة محمد بن ابراهيم رحمه الله تعالى أقسام الحكم بغير ما أنزل الله التي تخرج من الملة وعدد أقسامها ثم قال في القسم الثاني : ( كفر الحاكم بغير ما أنزل الله وهو الذي لا يخرج من الملة ) في رسالته تحكيم القوانين .
قال : فقد تقدم أن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقول الله عزوجل : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قد شمل ذلك القسم . وذلك في قوله رضي الله عنه في الآية كفر دون كفر وقوله أيضاً ليس بالكفر الذي تذهبون إليه .
وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق فاعترافه على نفسه بالخطأ وبمجانة الهدى . هذا وإن لم يخرجه كفره من الملة فإنها معصية عظمى أكبر من الكبائر كالزنا وشرب الخمر والسرقة واليمين الغموس وغيرها فإن معصية سماها الله في كتابه كفراً أعظم من معصية لم يسمها كفراً .
نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكم إلى كتابه انقياداً ورضاءاً إنه ولي ذلك والقادر عليه . وصلى الله على نبينا محمد وآٌله أجمعين .
كتب هذا البحث أبو وئام الديوان
وقد قرأته على أحد مشايخي الذين درست عليهم وهو دكتور بالجامعة الاسلامية فاستحسنه . نسأل الله عزوجل أن يوفقنا للإخلاص والمتابعة .
وبالمناسبة يوجد كتاب بعنوان القول المأمون في تخريج ما ورد عن ابن عباس في تفسير { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } لفضيلة الشيخ علي بن حسن بن عبدالحميد الحلبي الأثري . ذكر أقوال العلماء في تصحيح أثر ابن عباس رضي الله عنهما في هذه المسألة والشيخ ـ حفظه الله ـ من أبرز تلامذة فضيلة الشيخ العلامة المحدث : محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ